محمد جمال الدين القاسمي

290

تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )

القول في تأويل قوله تعالى : [ سورة الرعد ( 13 ) : آية 38 ] وَلَقَدْ أَرْسَلْنا رُسُلاً مِنْ قَبْلِكَ وَجَعَلْنا لَهُمْ أَزْواجاً وَذُرِّيَّةً وَما كانَ لِرَسُولٍ أَنْ يَأْتِيَ بِآيَةٍ إِلاَّ بِإِذْنِ اللَّهِ لِكُلِّ أَجَلٍ كِتابٌ ( 38 ) وَلَقَدْ أَرْسَلْنا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ وَجَعَلْنا لَهُمْ أَزْواجاً وَذُرِّيَّةً أي : مثل إبراهيم وإسحاق ويعقوب وغيرهم وهو ردّ لقولهم : لو كان نبيّا لكان من جنس الملائكة كما قالوا : ما لِهذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْواقِ [ الفرقان : 7 ] ، وإعلام ، بأن ذلك سنة كثير من الرسل ، فما جاز في حقهم لم لا يجوز في حقه ؟ وقد قال تعالى له : قُلْ إِنَّما أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحى إِلَيَّ * [ الكهف : 110 ] . وَما كانَ لِرَسُولٍ أَنْ يَأْتِيَ بِآيَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ أي : ما صح له ولا استقام ولم يكن في وسعه أن يأتي بما يقترح عليه ، إلا بإرادته تعالى في وقته ، لأن الآيات معينة بإزاء الأوقات التي تحدث فيها ، من غير تغيّر وتبدّل وتقدم وتأخّر . فأمرها منوط بمشيئته تعالى ، المبنية على الحكم والمصالح التي عليها يدور أمر الكائنات لِكُلِّ أَجَلٍ كِتابٌ أي لكل وقت من الأوقات أمر مكتوب ، فالشرائع معينة عند اللّه بحسب الأوقات ، في كل وقت يأتي ، بما هو صلاح ذلك الوقت ، رسول من عنده . وكذا جميع الحوادث من الآيات . وغيرها فليس الأمر على إرادة الكفار واقتراحاتهم ، بل على حسب ما يشاؤه تعالى ويختاره وفيه ردّ لاستعجالهم الآجال وإتيان الخوارق والعذاب . القول في تأويل قوله تعالى : [ سورة الرعد ( 13 ) : آية 39 ] يَمْحُوا اللَّهُ ما يَشاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتابِ ( 39 ) يَمْحُوا اللَّهُ ما يَشاءُ أي : ينسخ ما يشاء نسخه من الشرائع لما تقتضيه الحكمة بحسب الوقت وَيُثْبِتُ أي : بدله ما فيه المصلحة ، أو يبقيه على حاله غير منسوخ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتابِ أي : أصله . قال الرازيّ : العرب تسمي كلّ ما يجري مجرى الأصل للشيء أُمّا له ، ومنه أم الرأس للدماغ وأم القرى لمكة . وكل مدينة فهي أمّ لما حولها من القرى . فكذلك أم الكتاب هو الذي يكون أصلا لجميع الكتب . روى عليّ بن أبي طلحة عن ابن عباس في الآية يقول : يبدل اللّه ما يشاء فينسخه ويثبت ما يشاء فلا يبدله وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتابِ يقول : وجملة ذلك عنده في أم الكتاب الناسخ والمنسوخ . وما يبدل وما